الشيخ محمد هادي معرفة
488
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الأعرابيّ : ارتبك الشيخ ، فلمّا قضى ابن مسعود صلاته قال : يا أعرابي إنّه واللّه ما هو من نسجك ولا من نسج آبائك ، ولكنّه عزيز من عند عزيز نزل ، وهو الحمّال ذوالوجوه ، والبحر الذي لا تنقضي عجائبه . قال اللّه لموسى عليه السلام : إنّما مَثل كتاب محمَّد في الكتب كمثل سقاء فيه لبن كلّما مخضته استخرجت زبده . فحينما عجزوا عن المماتنة « 1 » فزعوا إلى المفاتنة ، ولمّا لم يقدروا على المقابلة أقبلوا على المقاتلة ، فكان فزعهم إلى شيء ، ليس من المُتحدّى فيه في شيء ، دليلًا قاطعا على تمام المعجزة ، وشاهد صدق لصحة النبوّة بظهور المعجزة ، على أنّ عداوة المتحدّي هي العجز بعينه ، والتقصير بذاته ، لأنّ كلّ ذي منقبة إذا توقَّل « 2 » في مرتبة قد عجز عنها مدّعوها ، ولم يقدروا أن يطلعوها ، كان نتيجة عجزهم أن يشتملوا على الغيظ والضجر ، وقرينة تقصيرهم أن يقصدوه بالنكاية والضرر ، وأن يُقشْوروه « 3 » بالعصا ويرجموه بالحصا . والذي طولبوا به فعجزوا عنه هو الإتيان بسورة لو كتبت بين السور ، لم تكن مشخلبة « 4 » بين الدرر ، ولكن كواحدة منهنَّ في حسنها وبهائها ، ونورها وضيائها ، وبيانها الباهر ، وديباجها الفاخر ، حتّى لو عرضت على صيارفة المنطق ونقّاده ، المميّز بين زيوفه وجياده ، لقالوا هي منها بالقرب ، لم يقولوا ليس عليها ابّهة دار الضرب ، والجهة التي أتاهم العجز عنها امتياز السورة عن هذه الأجناس ، التي تتقلّب في أيدي الناس ، من خطب يحبّرونها ، « 5 » وقصائد يُسيرونها ، ورسائل يسطرونها ، كما أنّ كلّ واحد من هذه الأجناس له حيّز ، وبعضها عن بعض متميّز ، وكلّ مستبدّ بطريق خاصّ إليه ينتحي وإيّاه ينتهج ، ومثال ومنوال عليه يحتذى وعليه ينتسج ، فلو تُحدّي الرجل بقصيدة شاعرة فجاء بخطبة باهرة ،
--> ( 1 ) - المماتنة : المعارضة في جدل أو خصومة . ( 2 ) - التوقّل : الإسراع في الصعود . ( 3 ) - قشوره بالعصا : ضربه . ( 4 ) - قال الليث : مشخلبة كلمة عراقية ليس على بنائها شيء من العربية ، وهي تتخذ من الليف والخرز أمثال الحلي . ( 5 ) - يقال : حبّرت الشيء تحبيرا إذا حسّنته .